عبد الملك الجويني

591

نهاية المطلب في دراية المذهب

للصلاة ، وفي معناه الزَّعقةُ والصيحة ، فلا حاجة إليها ، والكمِيُّ المقنع السَّكُوت أَهْيبُ في نفوس الأقران . ولو كثرت أفعالُه في قتاله ، وكان يوالي بين الضربات في أقران وأشخاص ، فالذي كان يقطع به شيخي أن ذلك لا يقدح في الصلاة ، وقياسه بيّن ، وليس احتمال ذلك لأجل شدة الخوف بأشد من احتمال الاستدبار ، والاكتفاء بالإيماء ، وكثرة الضربات في الأقران معتادة ، ليست نادرة عند التحام الفئتين . 1542 - وذكر صاحب التقريب نصوصاً للشافعي دالة على أن كثرة الأفعال تبطل ، وتوجب قضاء الصلاة ، ونقل من النص توجيهَ ذلك ، وذاك أنه قال : إقامةُ الفريضة راكباً وماشياً ومستدبراً من الرّخص الظاهرة ، والقدْر الذي أشعر به نصُّ القرآن الركوب والمشي ، قال الله تعالى : { فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا } [ البقرة : 239 ] وانضم إلى ذلك تفسير ابن عمر حيث قال : " مستقبلي القبلة وغير مستقبليها " ، فالزيادة على هذا مجاوزةٌ للنص في محل لا مجال للقياس فيه . وذكر العراقيون هذا قولاً للشافعي ، كما ذكره صاحب التقريب ، وذكره الشيخ أبو علي في الشرح . 1543 - وسأذكر في ذلك قولاً الآن قاله الأئمة في التفريع على ظاهر المذهب ، وهو أن كثرة الأفعال في الأشخاص والأقران المتعددين لا يضر ، ولو ردد ذلك الضربَ في قِرن واحد ثلاث مرات ، فقد بلغ الفعل في محل واحد حدَّ الكثرة وِلاءً ، وهذا مبطل للصلاة ؛ فإنَّ ذلك في المحل الواحد نادر ، فلا يعد مما يظهر مسيس الحاجة إليه . وأنا أقول : قد ذكر صاحب التقريب في كتاب الطهارة تقاسيم حسنة في الأعذار التي تُسقط قضاء الصلاة ، والتي لا تُسقط ، والتي يختلف القول فيها ، وقد سقتها أحسن سياقة ، وغرضي الآن منها أني أجريتُ في التقاسيم قواعدَ هي المرعية ، وهي النظر إلى انقسام الأعذار إلى ما يعم ، وإلى ما يندر فيدوم ، وإلى ما يندر ولا يدوم ، ثم العذر العام ، والنادر الدائم ، يتضمنان إسقاطَ القضاء ، والعذر النادر الذي لا يدوم ينقسم القول فيه إلى اختلال لا بدل فيه ، وإلى خلل فيه بدل .